العيني
15
عمدة القاري
عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفا ، ومع كونه لم يروه ويترك ما روي عن أهل المدينة وهو مرفوع ، وقال ابن عبد البر : وأنا أعجب من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينا . وهو : أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة . وتركوا ما رووه في ذلك عن ابن مسعود ، مع أنهم لا يعدلون به أحدا ؟ قلت : لا تعجب ههنا أصلاً ، أما وجه ما فعله مالك فلأنه اعتمد على صنيع عمر ، رضي الله تعالى عنه ، في ذلك وإن كان لم يروه في ( الموطأ ) ، وأما الكوفيون فإنهم اعتمدوا على حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم : ( أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين ) ، وهو أيضا قول الشافعي في القديم ، ورواية عن أحمد ، وقول ابن الماجشون ، وقووا ذلك أيضا بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة . وفيه : حجة للحنفية على ترك الجمع بين الصلاتين في غير عرفة وجمع ، وقال بعضهم : وأجاب المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ ، وقد ثبت الجمع بين الصلاتين من حديث ابن عمر وأنس وابن عباس وغيرهم ، وأيضا فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم وهم لا يقولون به ، وأما من قال به فشرطه أن لا يعارضه منطوق ، وأيضا فالحصر فيه ليس على ظاهره لإجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة . قلت : قد استقصينا الكلام فيه في كتاب الصلاة في : باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء ، وقوله : وهم لا يقولون به ، أي : بالمفهوم ليس على إطلاقه ، لأن المفهوم على قسمين مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة ، وهم قائلون بمفهوم الموافقة لأنه فحوى الخطاب كما تقرر في موضعه . وفيه : أنه صلى بعد المغرب ركعتين . فإن قلت : قد تقدم أنه لم يسبح بينهما ؟ قلت : قال الكرماني : لم يشترط في جمع التأخير الموالاة ، فالأمران جائزان ، والأحسن في هذا ما قاله الطحاوي ، رحمه الله ، وهو : أنه اختلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاتين بمزدلفة هل صلاهما معا أو عمل بينهما عملاً ؟ ففي حديث ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما السابق : ولم يسبح بينهما . وفي حديث ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه : هذا وصلى بعدها ركعتين ، ثم قال في آخر الحديث ، رأيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يفعله ، فلما اختلفوا في ذلك وكانت الصلاتان بعرفة تصلى إحداهما في إثر صاحبتها ولا يعمل بينهما عمل ، فالنظر على ذلك أن تكون الصلاتان بمزدلفة كذلك ، ولا يعمل بينهما عمل قياسا عليهما ، والجامع كون كل واحدة منهما فرضا في حق محرم بحج في مكان مخصوص ليتدارك الوقوف بعرفة والنهوض إلى الوقوف بمزدلفة فافهم . 89 ( ( بابُ منْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهْلِهِ بِلَيْلٍ فَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ ويَدْعُونَ ويُقَدِّمُ إذَا غابَ القَمَرُ ) ) أي : هذا باب في بيان شأن من قدم ضعفة أهله ، و : الضعفة ، بفتح العين : جمع ضعيف ، وقال ابن حزم : الضعفة هم الصبيان والنساء فقط . قلت : يدخل فيه المشايخ العاجزون لأنه روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضعفة بني هاشم وصبيانهم بليل ، رواه ابن حبان في ( الثقات ) : وقوله : ضعفه بني هاشم ، أعم من النساء والصبيان والمشايخ العاجزين وأصحاب الأمراض ، لأن العلة خوف الزحام عليهم ، وعن ابن عباس : ( أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله ، فصلينا الصبح بمنىً ورمينا الجمرة ، رواه النسائي . وقال المحب الطبري : لم يكن ابن عباس من الضعفة ، وما رواه النسائي يرد عليه . قوله : ( بليل ) أي : في ليل ، والباء تتعلق بقوله : ( قدم ) وتقديمهم من منزلهم الذي نزلوا به بجمع . قوله : ( ويدعون بالمزدلفة ) يعني : يذكرون الله ما بدا لهم ، قوله : ( ويقدم إذا غاب القمر ) بيان لقوله : بليل ، لأن قوله : بليل ، أعم من أن يكون في أول الليل أو في وسطه أو في آخره . وبينه بقوله : ( إذا غاب ) ، لأن مغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير ، ومن ثمة قيده الشافعي وأصحابه بالنصف الثاني ، وروى البيهقي من حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه وثقله في صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد ، وأن لا يرموا الجمرة إلاَّ مصبحين ، وروى أبو داود ( عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفة أهله بغلس ويأمرهم ، يعني : لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس ) ، ، وقال الكرماني : ويقدم بلفظ المفعول والفاعل قلت : أراد بلفظ البناء للمجهول ، والبناء للمعلوم ففي الأول يرجع الضمير إلى الضعفة ، فيكون مفعولاً وفي الثاني يرجع إلى لفظ : فيكون فاعلاً ، فافهم .